لم تكن الحاجة الملحة للمؤسسات للتكيف والابتكار أكثر أهمية من أي وقت مضى. في قلب هذا التطور تكمن عملية التحول الرقمي: إعادة تصور شامل لكيفية قيام التكنولوجيا بتعزيز وتبسيط كل جانب من جوانب العمليات التجارية. وينطبق هذا الأمر بشكل خاص على الأسواق الناشئة، وأفضل مثال على ذلك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي المملكة العربية السعودية

بالنسبة للمؤسسات التي تشرع في هذه الرحلة الرقمية، فإن المعركة لا تتعلق فقط بالبقاء على صلة بالموضوع، بل تتعلق بتسريع النجاح في سوق شديدة التنافسية. ينطوي التحول المطلوب على أبعاد مختلفة تشمل حلول الابتكار، وتطبيقات الهاتف المحمول، وتصميم الخدمات، وتصميم التجربة، بالإضافة إلى البحث في العملاء والمستخدمين. لا يقتصر الهدف على تعزيز الكفاءة التشغيلية فحسب، بل أيضًا خلق ثقافة الابتكار المستمر التي تتوافق مع توقعات المستهلكين العصريين

يجب على القادة والمديرين الذين يتولون توجيه المبادرات الاستراتيجية أن يفهموا التحول الرقمي ويستفيدوا منه، لأنه سيكون ضرورياً في تعزيز الروح التنظيمية الاستشرافية وتحقيق الريادة في السوق على المدى الطويل.

ما أهمية التحول الرقمي؟

لقد أصبح التحول الرقمي ضرورة تجارية لا يمكن تجاهلها. فما هو بالضبط؟ يشير التحول الرقمي غالبًا ما يُشار إليه اختصارًا باسم DT أو DX) إلى دمج التكنولوجيا الرقمية في جميع مجالات الأعمال التجارية، مما يؤدي إلى تغيير جذري في كيفية عمل المؤسسات وتقديم القيمة لعملائها. يعد تبني التحول الرقمي أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على الميزة التنافسية وتلبية المتطلبات المتطورة للسوق. وهذا ينطبق بشكل خاص على الأسواق الإقليمية الناشئة مثل المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة.

ما هي أمثلة التحول الرقمي؟

التحول الرقمي ليس نشاطًا واحدًا، بل هو وجهة. يمكن أن تؤثر على العديد من جوانب العمل وقد تتطلب أنشطة وحلولاً مختلفة

  1. حلول الابتكار: يمهد التحول الرقمي الطريق للحلول المبتكرة التي يمكن أن تحل تحديات الأعمال التقليدية. تُعد تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وتحليلات البيانات هي الركائز الأساسية لمثل هذا الابتكار، مما يمكّن المؤسسات من تسخير قوة البيانات لاتخاذ قرارات مستنيرة، مما يمنحها ميزة قصوى على المنافسة.
  2. تطبيقات الويب والهاتف المحمول: في هذا العالم الرقمي، يعد تطوير تطبيقات بديهية وقوية جزءًا لا يتجزأ من رحلة التحول الرقمي. تتمتع هذه التطبيقات بالعديد من الفوائد: تسهيل العمليات في المكاتب الخلفية، وتسهيل حياة الموظفين، ومساعدتهم على زيادة إنتاجيتهم، وتوسيع نطاق الأعمال التجارية، وكذلك تعزيز مشاركة العملاء.
  3. تصميم الخدمات: التصميم ليس مجرد نشاط في إنشاء المنتجات، بل يجب تطبيقه على الخدمات أيضاً. يتمحور تصميم الخدمات حول خلق تجارب سلسة وممتعة للعملاء من خلال إعادة تصور رحلة العميل وإعادة هندستها من خلال نقاط الاتصال المادية والرقمية. وهذا يمنح الشركات الميزة التي تحتاجها لزيادة رضا العملاء وولائهم، وسد الفجوة بين ما هو مادي وما هو رقمي، والسماح للعملاء بالتفاعل معهم أينما كانوا وكيفما شاءوا.

إن التحول الرقمي ليس اتجاهاً قصير الأجل أو موضة عابرة؛ فهو موجود ليبقى. إنه ليس المستقبل، بل الحاضر! هناك حاجة إلى خطة طويلة الأجل واستثمار طويل الأجل للتعامل معها، وهو ما يمكن أن يدفع المؤسسات إلى الأمام بشكل كبير في الأسواق التنافسية والمتنامية. يمكن للمؤسسات التي تتبع نهجاً شاملاً يشمل حلول الابتكار وتصميم المنتجات والخدمات المناسبة أن تعيد تعريف نماذج أعمالها واستراتيجياتها، مما يمهد الطريق للنجاح والنمو المستدام

ما هي نتائج التحول الرقمي؟

يمكن ملاحظة آثار التحول الرقمي في مجالات متعددة من الأعمال. ومع ذلك، يمكن تجميع معظمها في فئتين رئيسيتين

  1. اكتساب ميزة تنافسية: من خلال تبني استراتيجيات التحول الرقمي، يمكن للمؤسسات أن تظل في الطليعة، من خلال تقديم عروض قيمة فريدة تميزها عن المنافسين. ووفقًا للعديد من التقارير الصادرة عن شركة الاستشارات العالمية “ماكينزي آند كومباني“، يتفوق الرواد الرقميون على أقرانهم في الاقتصاد العالمي اليوم من منظور الإيرادات بالإضافة إلى جوانب أخرى.
  2. زيادة الكفاءة التشغيلية: يعمل التحول الرقمي على تبسيط العمليات من خلال أتمتة المهام الروتينية، مما يؤدي إلى سرعة اتخاذ القرارات وتحسين الإنتاجية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي تبني الأدوات الرقمية إلى تخصيص أفضل للموارد وتوفير في التكاليف.

تقف الشركات الإقليمية مثل تلك الموجودة في السعودية على أعتاب تطورات رقمية كبيرة. من خلال الاستثمار في التحول الرقمي، لا يمكن لهذه المؤسسات أن تعزز كفاءاتها التشغيلية بشكل كبير فحسب، بل يمكنها أيضًا تعزيز ثقافة الابتكار والمرونة التي لا غنى عنها في مجال الأعمال الحديثة

وفقًا لتقرير صادر عن شركة برايس ووترهاوس كوبرز، تؤكد مبادرة رؤية المملكة العربية السعودية 2030 بقوة على دور التحول الرقمي في دفع عجلة التنويع الاقتصادي والتنمية في البلاد، مما يؤكد أهمية تبني الرقمنة في المنطقة

دور المنتجات الرقمية وتصميم الخدمات الرقمية في التحول الرقمي

تُعد المنتجات الرقمية (تطبيقات الأجهزة المحمولة أو تطبيقات الويب) وتصميم الخدمات عناصر محورية في تنظيم رحلة المؤسسة نحو تعزيز المرونة التشغيلية وتجربة العملاء الفائقة. تتعاظم أهميتها في الأسواق الديناميكية، حيث تزداد معرفة المستهلكين بالرقمية وتسعى المؤسسات جاهدةً لتلبية توقعاتهم المتطورة

أ) تطبيقات الهاتف المحمول: سد الفجوة الرقمية

تطبيقات الهاتف المحمول هي القنوات التي تربط الشركات بعملائها في العالم الرقمي. فهي توفر منصة للمؤسسات لتقديم الخدمات وإشراك العملاء وجمع بيانات لا تقدر بثمن. وهي أيضًا الطريقة التي يمكن للمؤسسات من خلالها زيادة قوة موظفيها، وأتمتة الأعمال العادية والمتكررة من عملهم، وتحريرهم لإضافة القيمة الحقيقية التي تم توظيفهم لتقديمها

يمثل سوق المملكة العربية السعودية، مع ارتفاع معدل انتشار الهواتف الذكية، أرضاً خصبة للمؤسسات للاستفادة من تطبيقات الهاتف المحمول كجزء من استراتيجية التحول الرقمي

وفقًا لتقرير صادر عن Statista، بلغ معدل انتشار الهواتف الذكية في المملكة العربية السعودية لعام 2023 أكثر من 91%. وهذا يؤكد على الإمكانات الهائلة التي تنطوي عليها تطبيقات الهاتف المحمول في سد الفجوة الرقمية، وتسهيل التفاعل السلس بين الشركات وعملائها، وتعزيز ثقافة الابتكار الرقمي داخل المؤسسات

ب) تصميم الخدمات: صياغة رحلات عملاء هادفة ومفيدة

تصميم الخدمة هو التصميم الدقيق للتفاعلات بين المؤسسة وعملائها. وهو يشمل الاستراتيجيات والهياكل التي تشكل هذه التفاعلات، بما يضمن أن تكون ذات مغزى وممتعة وقيمة للعميل. من خلال الفهم المتعاطف لرحلة العميل، يمكن للمؤسسات تصميم خدمات لا تلبي التوقعات فحسب، بل تتجاوزها أيضاً، مما يعزز الولاء للعلامة التجارية ويزيد من إدراكها

ومن الأمثلة على ذلك مؤسسة النقد العربي السعودي (SAMA) التي استخدمت مبادئ تصميم الخدمات لتجديد خدمة العملاء، مما أدى إلى تحسين رضا العملاء والكفاءة التشغيلية (رابط للمصدر). يوضّح هذا المثال القوة التحويلية لتصميم الخدمات في إعادة تعريف رحلة العميل، مما يجعلها جانباً لا غنى عنه في التحول الرقمي

هذان العنصران – تطبيقات الهاتف المحمول وتصميم الخدمة – ليسا معزولين؛ بل هما متشابكان في علاقة تكافلية. تعزز الخدمة جيدة التصميم من فعالية تطبيق الهاتف المحمول، والعكس صحيح. ويشكلان معًا أساسًا قويًا يمكن للمؤسسات أن تبني عليه مبادرات التحول الرقمي الخاصة بها، مما يجعلها أقرب إلى تحقيق نظام بيئي رقمي يركز على العملاء

في الوقت الذي تسعى فيه الشركات في المملكة العربية السعودية إلى الإبحار في مشهد التحول الرقمي، فإن دمج تطبيقات الهاتف المحمول وتصميم الخدمات في استراتيجيتها أمر ضروري إذا كانت جادة في تحقيق الازدهار في العصر الرقمي

تعزيز الابتكار من خلال تصميم وأبحاث تجربة المستخدم

في الرحلة نحو التحوّل الرقمي، يلعب تصميم تجربة المستخدم (UX) وأبحاث تجربة المستخدم (UX) دوراً حاسماً في تعزيز الابتكار وإيجاد حلول تلقى صدى لدى المستخدمين

يدور تصميم تجربة المستخدم حول إنشاء واجهة سلسة بين التكنولوجيا والتفاعل البشري. إنه بمثابة جسر يربط بين رؤية الأمة الطموحة وواقع التغيير التحويلي. بحوث تجربة المستخدم هو التخصص الذي يسبر أغوار تفاعلات المستخدمين وسلوكياتهم ومشاعرهم، بالإضافة إلى أفضل الممارسات في مجال التكنولوجيا التي تجعل هذا التفاعل السلس ممكناً

يتيح التركيز على تصميم تجربة المستخدم والبحوث للمؤسسات فهم أفضل لمستخدميها، مما يؤدي إلى حلول رقمية أكثر سهولة وسلاسة في الاستخدام. من خلال هذا الفهم يتم تعزيز الابتكار، مما يمكّن الشركات من تبني نهج يركز على الإنسان ويؤدي إلى ابتكار أكثر تأثيرًا بالإضافة إلى رفع الأرباح النهائية

دراسة حالة للتحول الرقمي في المملكة العربية السعودية

إن سوقاً ناشئة مثل السعودية مليئة بفرص التحول الرقمي. توضح العديد من المبادرات والبرامج الرئيسية تلك الرحلة. فيما يلي رؤى حول كيفية تبني التحول الرقمي في المنطقة

  1. مبادرة رؤية 2030:

في إطار مبادرة رؤية 2030، تهدف المملكة العربية السعودية إلى التحول إلى دولة حديثة، حيث تعد التكنولوجيا الرقمية عنصراً أساسياً في هذا التحول. تشمل المبادرة العديد من جهود التحول الرقمي التي تهدف إلى جعل المملكة العربية السعودية رائدة اقتصاديًا في القرن الحادي والعشرين

  1. الحصول على التمويل الاستراتيجي وتبني الاقتصاد الرقمي:

ومن خلال التمويل الاستراتيجي، تسعى المملكة العربية السعودية جاهدةً إلى بناء نظام مرن يدعم القطاعات الناشئة، وبالتالي تعزيز الاقتصاد الرقمي. مع معدل انتشار الإنترنت المرتفع، فإن البلاد في وضع جيد للتحول الرقمي 3 .

  1. التحول الرقمي الحكومي على مستوى الدولة:

استثمرت المملكة العربية السعودية بشكل كبير في تحويل خدماتها الحكومية إلى منصات رقمية. تضطلع هيئة الحكومة الرقمية (DGA) بدور حاسم في هذا التحول، حيث تساعد الهيئات الحكومية الأخرى في تطوير الخدمات الرقمية ونشرها وتنظيمها. وقد أثمرت هذه المبادرة عن نتائج ملحوظة، كما يتضح من قفزة المملكة العربية السعودية في تصنيف الأمم المتحدة لبرامج الحكومة الرقمية من المركز 52 في عام 2018 إلى المركز 31 في عام 2022 1 .

تعمل وكالة دبي الحكومية، من خلال مركز الابتكار والتكنولوجيا الناشئة التابع لها، على دفع عجلة الابتكار الرقمي في العمليات الحكومية، وتوفير منصة وطنية لبناء قدرات الابتكار، وتسريع اعتماد التقنيات الناشئة، ودعم التغييرات التنظيمية اللازمة. تشمل مجالات التركيز إنترنت الأشياء، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، والبلوك تشين، والتقنيات الغامرة مثل الواقع المعزز والواقع الافتراضي 1 .

  1. التنظيم المركزي لجهود التحول الرقمي:

أنشأت المملكة العربية السعودية تنظيمًا مركزيًا للتحول الرقمي على المستوى الوطني، بما في ذلك وضع مبادئ وسياسات ومعايير وأدلة مستخدمين لتنظيم هذه الجهود. كان إنشاء هيئة الحكومة الرقمية (DGA) في مارس 2021 خطوة مهمة نحو تحقيق الاستراتيجية الرقمية الوطنية للمملكة 4 .

تُظهر هذه المبادرات والجهود الاستراتيجية التزام المملكة العربية السعودية بالتحول الرقمي، وبالتالي تقديم رؤى وأمثلة قيّمة للدول الأخرى التي تشرع في رحلات تحول رقمي مماثلة. كما أنها تسلط الضوء على الفرص الهائلة المتاحة في المنطقة للراغبين في تبني عقلية التحول الرقمي

مظاهر التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية

قطعت المملكة العربية السعودية خطوات كبيرة في مجال التحول الرقمي. في عام 2022، احتلت الدولة المركز 31 في تقييم الأمم المتحدة لبرامج الحكومة الرقمية من بين الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، بعد أن كانت في المركز 52 في عام 2018.

استفادت الحكومة السعودية من بنيتها التحتية المتطورة لدفع عجلة الابتكار وضمان استمرارية الأعمال خلال جائحة كوفيد-19، مستفيدة من أدوات المشاركة الإلكترونية في صنع القرار لتصميم حلول وخدمات رقمية تستجيب بشكل أفضل لاحتياجات المواطنين

يتزايد الاستثمار في التحول الرقمي في المملكة العربية السعودية، مع التركيز الملحوظ على تحسين البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحكومية والمؤسسية. بحلول عام 2023، من المتوقع أن يمثل الاستثمار في التحول الرقمي في الدولة 50% من استثمارات الحكومة والمؤسسات في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

تؤكد هذه النقاط على مركزية التحول الرقمي والابتكار في السوق السعودية. من خلال اعتماد نهج التصميم الذي يركز على الإنسان من خلال التصميم القائم على البحث في تجارب المستخدمين والعملاء، أصبحت الشركات في المملكة العربية السعودية في وضع أفضل لتطوير حلول رقمية تلبي الاحتياجات والتفضيلات الحقيقية لمستخدميها، وبالتالي المساهمة بشكل كبير في قصة التحول الرقمي في المنطقة

الخاتمة

إن قصة التحول الرقمي هي قصة التمكين والابتكار والنمو المستدام. من خلال التبني الدقيق للأدوات والاستراتيجيات الرقمية والنهج الذي يركز على العملاء، يمكن للمؤسسات على مستوى المؤسسات في المملكة العربية السعودية تجاوز القيود التشغيلية التقليدية، وتقديم قيمة لا مثيل لها لعملائها. وعلى الرغم من تعقيدات هذه الرحلة، إلا أنها تعد بميزة تنافسية وإطار عمل للتحسين المستمر في مشهد السوق الذي يركز على التكنولوجيا الرقمية

يحتل المديرون موقع الصدارة في هذا المسعى التحويلي، حيث يضطلعون بدور محوري في تنظيم ثقافة تقدّر الفطنة الرقمية والابتكار التعاوني واتخاذ القرارات المستنيرة القائمة على البيانات. من خلال اختيار وكالة التحول الرقمي المناسبة، تكون المؤسسات على بعد خطوة واحدة من تحويل التطلعات الرقمية إلى نجاح ملموس. بينما نغامر أكثر في العصر الرقمي، يستمر سرد التحول في الظهور، مما يوفر فرصًا كثيرة لأولئك المستعدين للابتكار والتكيف